محمد بن وليد الطرطوشي
46
سراج الملوك
ما عدّها نعمة كما عددتموها ، ولا حسبها رفعة ومنزلة كما حسبتموها ، بل قال عند ذلك : هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [ النمل : 40 ] ، وهذا فصل الخطاب ، لمن تدبر أن يقول له ربّه في معرض المنّة : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ ص : 39 ] ، ثم خاف سليمان عليه السلام ، أن يكون استدراجا من حيث لا يعلم ، هذا وقد قال لك ولسائر أهل الدنيا : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر : 92 ، 93 ] ، وقال : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [ الأنبياء : 47 ] . تأمل بعقلك ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » « 1 » . وألق سمعك إلى ما نزل به جبريل عليه السلام من عند اللّه تعالى ، على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « يا محمّد : إن الله يقول لك : عش ما شئت فإنّك ميّت ، وأحبب من شئت فإنّك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزيّ به » « 2 » . فانظر ما اشتملت عليه هذه الكلمات من تصرّم « 3 » العمر ، وفراق الأحبة ، والجزاء على الأعمال ، فلو لم ينزل من السماء غيرها لكانت كافية . انظر بفهمك إلى ما رواه الحسن « 4 » . أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، مرّ بمنزل قوم قد ارتحلوا عنه ، وإذا طلّا « 5 » مطروح فقال : « أترون هذا هان على أهله ؟ » فقالوا : من هوانه عليهم ألقوه ، قال : « فوالذي نفسي بيده ، للدّنيا أهون على الله من هذا على أهله » « 6 » ، فجعل الدنيا أهون على الله من الجيفة المطروحة .
--> ( 1 ) رواه الترمذي والضياء عن سهل بن سعد بلفظ « تعدل » بدل تزن ، والحديث صحيح . ( الجامع الصغير ج 2 / ص 131 ، رقم 7480 ) . ( 2 ) رواه البيهقي في شعب الإيمان عن جابر وأبي نعيم في الحلية عن علي ، والحاكم في المستدرك ، والشيرازي في الألقاب ، عن سهل بن سعد ، والحديث صحيح ، وله بقية أوردها السيوطي ، وهي : [ واعلم إن شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزّه استغناؤه عن الناس ] . ( الجامع الصغير ج 1 / ص 7 ، رقم 89 ) . ( 3 ) تصرّم العمر : قصره وانقطاعه . ( 4 ) أي الحسن البصري : وهو الحسن بن يسار أبو سعيد ، إمام أهل البصرة ، وحبر الأمة في زمنه ، من العلماء التابعين الفقهاء الفصحاء النساك ، كان ذا هيبة ، وله مع الحجاج بن يوسف مواقف ، وقد سلم من أذاه ، مات سنة 110 ه ( الوافي بالوفيات 12 / 190 ) وغيره . ( 5 ) الطلي : هو الصغير من أولاد الغنم . ( 6 ) أخرجه الترمذي في الزهد ، وابن ماجة ، من رواية المستورد بن شداد ، كما أخرجه مسلم من رواية جابر بن عبد اللّه ( شرح السنة للإمام البغوي ج 14 / ص 228 ) .